ابن قيم الجوزية
79
الروح
تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة والنار » ، ثم قال : « فإذا كان عند ذلك صف له صفان من الملائكة ، ينتظمان ما بين الخافقين ، كأن وجوههم الشمس فينظر إليهم ما نرى غيرهم ، وإن كنتم ترون أنهم ينظرون « 1 » إليكم ، مع كل منهم أكفان وحنوط ، فإن كان مؤمنا بشروه بالجنة ، وقالوا : أخرجي أيتها النفس الطيبة إلى رضوان اللّه وجنته ، فقد أعد اللّه لك من الكرامة ما هو خير من الدنيا وما فيها ، فلا يزالون يبشرونه ويحفون به ، فهم ألطف وأرأف من الوالدة بولدها ، ثم يسلمون روحه من تحت كل ظفر ومفصل ، ويموت الأول فالأول ، ويهون عليهم ، وكم كنتم ترونه شديدا حتى تبلغ ذقنه ، قال : فلهي أشد كراهية للخروج من الجسد من الولد حتى يخرج من الرحم ، فيبتدرها كل ملك منهم : أيهم يقبضها ، فيتولى قبضها ملك الموت ، ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ « 2 » فيتلقاها بأكفان بيض ، ثم يحتضنها إليه ، فهو أشد لزوما لها من المرأة إذا ولدتها ، ثم يفوح منها ريح أطيب من المسك ، فيستنشقون ريحها ويتباشرون بها ، ويقولون : مرحبا بالروح الطيبة والروح الطيب ، اللهم صل عليه روحا وعلى جسد خرجت منه ، قال : فيصعدون بها ، وللّه عز وجل خلق في الهواء لا يعلم عدتهم إلا هو ، فيفوح لهم منها ريح أطيب من المسك ، فيصلون عليها ويتباشرون ، ويفتح لهم أبواب السماء ، فيصلي عليها كل ملك في كل سماء تمر بهم ، حتى ينتهي بها بين يدي الملك الجبار جل جلاله ، مرحبا بالنفس الطيبة وبجسد خرجت منه ، وإذا قال الرب عز وجل للشيء مرحبا رحب له كل شيء ، ويذهب عنه كل ضيق ، ثم يقول لهذه النفس الطيبة : أدخلوها الجنة وأروها مقعدها من الجنة وأعرضوا عليها ما أعددت لها من الكرامة والنعيم ، ثم اذهبوا بها إلى الأرض ، فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ، فوالذي نفس محمد بيده لهي أشد كراهية للخروج منها حين كانت تخرج من الجسد ، وتقول : أين تذهبون بي إلى ذلك الجسد الذي كنت فيه ؟ قال : فيقولون : إنا مأمورون بهذا ، فلا بد لك منه ، فيهبطون به على قدر فراغهم من غسله وأكفانه ، فيدخلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه .
--> ( 1 ) سورة السجدة ، الآية 11 . ( 2 ) سورة السجدة ، الآية 12 .